Blog

  • الرئيسان الأوكرانى والأمريكى يتفقان على عقد لقاء مشترك فى نيويورك

    الرئيسان الأوكرانى والأمريكى يتفقان على عقد لقاء مشترك فى نيويورك

    اتفق الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى، خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الأمريكى دونالد ترامب، على عقد لقاء مشترك فى نيويورك.
    وقال زيلينسكي، فى تصريحات أوردتها وكالة أنباء “يوكراين فورم” الأوكرانية: “لقد تحدثت مع الرئيس ترامب.. كانت محادثة مهمة وتناولنا فيها الكثير من الأمور.. اتفقنا على الاجتماع فى نيويورك، وقد يُحدث هذا اللقاء تغييراً كبيراً؛ فهناك زخم دبلوماسي في الوقت الحالي”، كما أعرب زيلينسكى عن شكره لدونالد ترامب على إرسال مبعوثيه الخاصين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى كييف.
    وأضاف زيلينسكي: “لقد استعرضنا التفاصيل الرئيسية بدقة، واطّلع المبعوثان على الوضع في أوكرانيا عن كثب؛ فمسار السلام يمثل أولويتنا القصوى”.

    اليوم السابع

  • فايزة أحمد فى ذكرى رحيلها.. مسيرة فنية حافلة بين الغناء والتمثيل

    فايزة أحمد فى ذكرى رحيلها.. مسيرة فنية حافلة بين الغناء والتمثيل

    يحل اليوم الإثنين 21 سبتمبر ذكرى رحيل المغنية فايزة أحمد، التي وُلدت في 5 ديسمبر 1934 لأب سوري في صيدا بلبنان، وعاد والدها إلى دمشق، وكانت فايزة طفلة صغيرة لم تبلغ الحادية عشرة من عمرها، قدمت في مسيرة حياتها الفنية مئات الأغاني وبضعة أفلام.
    نشأت وعاشت بداية حياتها في دمشق، وتقدمت للإذاعة السورية إذاعة دمشق إلى لجنة لاختيار المطربين، لكنها لم توفَّق في البداية، فسافرت إلى حلب وتقدمت لإذاعة حلب ونجحت وغنَّت وذاع صيتها، فطلبتها إذاعة دمشق، وعادت لتكمل مسيرة نجاحها، وتدربت على يد الملحن محمد النعامي، ونجحت وأصبحت مطربة معتمدة في إذاعة دمشق، وأدَّت بعض الأغنيات.
    ثم سافرت من سوريا إلى العراق والتقت الموسيقار العراقي رضا علي، الذي كتب لها كلمات مجموعة أغان باللهجة العراقية ولحَّنها.
    ثم سافرت إلى مصر، وهناك تقدمت للإذاعة المصرية في القاهرة، حيث قدَّمها الإذاعي صلاح زكي في أغنية من ألحان محمد محسن، ثم لقيها الموسيقار الراحل محمد الموجي فشكّلا خطًّا غنائيًّا يميِّزها من غيرها في عدة أغان أحدثت ضجة كبيرة، وغنَّت من ألحان الموسيقار فريد الأطرش أغنية أنا عمري كام سنة، ويا حلاوتك يا جمالك، ويا أخي.
    ولحَّن لها أيضًا كمال الطويل أغنيات عديدة، كما لحَّن لها الموسيقار محمود الشريف، وغنَّت من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب أغنية هان الود، ولقيت بليغ حمدي ولحَّن لها عدة أغان، ولحَّن لها أيضًا الموسيقار محمد سلطان وغنَّت له عددًا من الألحان وكانت أغنية أيوه تعبني هواك آخر أغنية قدمتها له، أما أغنية لا يروح قلبي التي لحَّنها رياض السنباطي فهي آخر ما غنَّت فايزة أحمد.
    واتجهت إلى السينما وشاركت في ستة أفلام، وكان أنجح حضور سينمائي لها في فيلم أنا وبناتي مع الفنان الراحل صلاح ذو الفقار والفنان الراحل زكي رستم، أما آخر أفلامها فكان منتهى الفرح.
    سجلت أكثر من 320 أغنية لإذاعة القاهرة و80 أغنية تليفزيونية وعشرات الحفلات في مصر، ومن أشهر هذه الأغاني: أحبه كثيرًا، وأنا قلبي إليك ميال، وفينك وفيني، ويا بو الحبايب، وست الحبايب، ويا غالي عليا، وقدرت تهجر، وتهجرني بحكاية، ورسالة من امرأة، وخليكو شاهدين، وبيت العز، ويا ما القمر عالباب.
    ومن أفلامها: تمر حنة 1957، وامسك حرامي 1958، والمليونير الفقير 1959، وليلى بنت الشاطئ 1959، وعريس مراتي 1959، وأنا وبناتي 1961، ومنتهى الفرح 1963، كما أدَّت دور البطولة في أوبريت مصر بلدنا على مسرح البالون.
    تزوَّجت عمر نعامي، سوري الجنسية، صاحب فندق هيلتون، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة فريال، التي تزوَّجها أحمد ابن الموسيقار رياض السنباطي، وتزوَّجت محمد سلطان الموسيقار الراحل واستمرَّ زواجهما 17 عامًا، ورُزقا بطارق وعَمرو، ثم انفصلا في 22 مايو 1981، وتزوَّجت الضابط عادل عبد الرحمن، ثم طُلِّقت منه بعد مدة قصيرة، وعادت إلى زوجها السابق محمد سلطان بعد معاناتها من سرطان الثدي، قبل رحيلها بمدة وجيزة.
    توفيت في يوم الأربعاء، 21 سبتمبر عام 1983 عن عمر ناهز 49 سنة، بعد صراع طويل مع سرطان الثدي

    اليوم السابع

  • حين تتعلم المدرسة أن تسأل- من يملك خيال الطفل السوداني؟

    حين تتعلم المدرسة أن تسأل- من يملك خيال الطفل السوداني؟

    زهير عثمان

    من (كوز) إلى سؤال المنهج الخفي في التعليم السوداني
    ليست كل المعارك السياسية تبدأ في البرلمان أو الشارع؛ فبعضها يتسلل بهدوء إلى صفحة كتاب مدرسي، عبر صورة، أو كلمة، أو مثال لغوي يبدو في ظاهر الأمر بريئاً. غير أن التربية النقدية تذكرنا بأن الكتب المدرسية ليست أوعية محايدة للمعرفة، بل هي نصوص ثقافية محمولة برؤى للعالم، وترتيب للقيم، وحدود لما يُقال وما يُغيّب , من هنا، فإن الجدل الدائر حول إدراج مفردة (كوز) في كتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي يتجاوز بكثير حدود الكلمة المفردة. إنه يضعنا وجهاً لوجه أمام ما يُعرف في الأدبيات التربوية بـ«المنهج الخفي»؛ تلك الرسائل المضمرة التي يتلقاها الطفل عبر الصور، والتكرار، والمسميات، والسياق، بعيداً عن الدرس المباشر
    بين التعليم والتلقين السياسي
    عندما انتقدت لجنة المعلمين السودانيين إدراج المفردة لطابعها السياسي والأيديولوجي وطالبت بمراجعة الكتاب، كان ذلك موقفاً قابلاً للنقاش في إطاره. لكن السؤال الأعمق والأجدر بالطرح ليس عما إذا كانت الكلمة سياسية أم لا، بل- ماذا تفعل مفردة بهذا الثقل الاستقطابي في وعي طفل لم يتجاوز السادسة بعد؟
    في هذه المرحلة المبكرة، لا يمتلك الطفل الأدوات المعرفية التي تمكنه من الفصل بين الكلمة كبنية لغوية، وبينها كشحنة سياسية أو حكم أخلاقي على جماعة بعينها. إنه يتلقى اللغة كمادة خام لبناء عالمه، لا كمادة قابلة للتفكيك النقدي، مما قد يحول تعليم اللغة –بشكل غير مقصود– إلى مدخل مبكر لانقسام سياسي لم يترشح له بعد
    وهنا يتجلى الفارق الجوهري؛ فالتعليم في جوهره فعل اجتماعي وسياسي يحمل تصورات عن الدولة والمجتمع، ولكن شتان بين أن نعلّم الطفل كيف يفهم السياسة، وبين أن نستخدم المدرسة لتشكيل ولائه أو كراهيته قبل أن يمتلك أدوات السؤال والمقارنة
    تاريخ طويل من تدوير المناهج
    هذه المعضلة ليست وليدة اليوم في السودان. فالدولة التي نالت استقلالها عام 1956 ورثت منظومة تعليمية غير محايدة تشكلت في الحقبة الاستعمارية، مما يثبت أن التحولات السياسية الكبرى لا تنعكس بالضرورة وبالسرعة ذاتها على الكتب والممارسات التعليمية
    وكما أشار مفكر الاجتماع بيير بورديو في مفهوم (إعادة الإنتاج الثقافي)، فإن المدرسة تتجاوز دور توزيع المعرفة لتصبح أداة لإعادة إنتاج القيم والرموز. وعليه، تعاقبت المشروعات السياسية على المناهج منذ استقلال الدولة، مروراً بفترة (الاشتراكية العربية) في عهد نميري، وصولاً إلى-المشروع الحضاري- لنظام الإنقاذ، حيث تماهت المناهج بشكل صارخ مع الأيديولوجيا الحاكمة
    ولكن الخطر الحقيقي يكمن في ألا يكون نقد الماضي مقدمة لتصحيح المسار، بل وسيلة لتكرار الخطيئة بذاتها , فحين يأتي نظام جديد، يكمن المحظور في استبدال صور الخصوم بصور السلطة الحالية، ليظل الطفل محكوماً برؤية عين واحدة تحدد له مسبقاً من هو الوطني ومن هو الخصم
    نحو تربية نقدية واعية
    لا يقتصر الأمر على الكلمات وحدها، بل تمتد الخطورة إلى الصور والمسميات التي تنتقل من دائرة -الوصف- إلى دائرة *الحكم دون وسائط نقدية واضحة. فمفاهيم مثل الثورة، الحرب ، أو الديمقراطية , و لا تصبح نافعة إلا حين يمتلك المتعلم سياقاتها وأبعادها.
    وكما علمنا باولو فريري، فإن التعليم الحقيقي يفتح أمام المتعلم أفق «قراءة العالم» لا مجرد تلقين إجابات جاهزة. ما نحتاجه اليوم ليس مدرسةً تهرب من الكلمات السياسية، ولا أخرى تفرط في توريط الأطفال فيها، بل تربية مواطنية نقدية تُعلّم النشء أن الاختلاف طبيعي، وأن المختلف ليس بالضرورة خصماً
    المجتمع الديمقراطي لا ينتج أطفالاً يتفقون على قالب واحد، بل يربي أجيالاً قادرة على العيش وسط تنوع الصور والآراء دون تحويل الاختلاف إلى كراهية
    إن قضية «كوز» تختزل أزمة أعمق رافقت السودان طويلاً؛ رغبة كل سلطة متعاقبة في إعادة صياغة الإنسان السوداني وفق صورتها الخاصة. ولن تنتهي الأزمة بحذف كلمة أو إبقائها، بل بالجواب الحاسم على السؤال الأبدي , هل وظيفة التعليم صناعة مواطن يشبه السلطة، أم مواطن يمتلك شجاعة مساءلتها؟
    الفرق بينهما هو الفاصل الدقيق بين التلقين الذي يرسم على زجاج النافذة صورة مزيفة ويدعي أنها السماء، وبين التربية التي تفتح النافذة ليتعلم الطفل كيف يرى العالم بعينيه لا بعيون السلطة.

    zuhair.osman@aol.com

    Author

    زهير عثمان حمد

  • خوارزمية تستثني الدولة العميقة: قراءة في منشور «إعدام رقمي» وأزمة الجنيه

    خوارزمية تستثني الدولة العميقة: قراءة في منشور «إعدام رقمي» وأزمة الجنيه

    خوارزمية تستثني الدولة العميقة: قراءة في منشور «إعدام رقمي» وأزمة الجنيه
    عمر سيد احمد | باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
    سبتمبر 2026
    O.sodahmed09@gmail.com Email:
    يتداول بعض المجموعات المهنية منشوراً بعنوان «إعدام رقمي: كيف نُعدم تجار الأزمات بخوارزمياتهم؟»، من دون أن يحمل اسماً لكاتبه أو إشارة إلى صفته المهنية أو الجهة التي تقف وراءه؛ ولذلك يظل منشوراً مجهول المصدر والكاتب. ويكتسب هذا الغموض أهمية خاصة لأن النص لا يطرح رأياً عابراً، بل يوجه اتهامات خطيرة، ويدعو إلى مراقبة الحسابات وتصنيف أصحابها وتجميد أموالهم تحت غطاء استخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
    يقترح المنشور تتبع الحسابات والتحويلات، وتصنيف أصحابها خلال 72 ساعة إلى مضاربين أو مهربين أو متورطين في غسل الأموال وتمويل الحرب، مع استخدام بيانات تطبيقات مصرفية مثل «بنكك»، وربط الحسابات بهوية رقمية وبصمات بيومترية للكشف عن شراء العملات الأجنبية وتخزين السلع والأنشطة التجارية غير المعلنة. لكنه يبدأ بتحديد خصومه سياسياً، ثم يبحث عن مؤشرات مصرفية تبرر استهدافهم، ويعامل قرارات تجميد حساباتهم كأنها دليل على ارتكاب جرائم مالية، من دون أن يسأل عن الأساس القانوني، أو وجود تحقيق مستقل وأحكام قضائية، أو حق المتضررين في الاعتراض والتقاضي.
    ويقدم المنشور الخوارزميات كأنها أداة حاسمة قادرة على إنقاذ الجنيه. غير أن اللغة التقنية لا تجعل المقترح خطة مصرفية أو قانونية قابلة للتطبيق؛ فالمنشور في جوهره خطاب سياسي أمني يرتدي عباءة الخوارزميات.
    ولا يبدو هذا الخطاب منفصلاً عن طريقة تفكير الأجهزة الأمنية؛ فهو يبدأ بتحديد الخصوم وتقسيم المواطنين إلى موالين ومشتبه بهم، ثم يبحث عن أداة تقنية تمنح هذا التصنيف مظهراً علمياً ومحايداً. ومن هنا يثور شك جدي في أن الحديث عن الخوارزميات لا يراد به إصلاح النظام المصرفي، بقدر ما يراد به توفير غطاء حديث للمراقبة والتجميد وتصفية الحسابات السياسية.
    الخوارزميات، في الحقيقة، ليست سراً ولا محاكم رقمية. فالمصارف والمؤسسات المالية تستخدم منذ سنوات أنظمة لمراقبة المعاملات، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، وتحليل الروابط بين الحسابات، وإصدار تنبيهات بشأن العمليات التي قد تنطوي على غسل أموال أو تمويل للإرهاب أو احتيال مالي. لكن هذه الأنظمة لا تثبت الجريمة، ولا تعرف نية صاحب الحساب، ولا تملك سلطة الإدانة أو المصادرة.
    عندما يتحرك مبلغ كبير في ساعة متأخرة، أو تتكرر التحويلات بين مجموعة من الحسابات، تستطيع الخوارزمية إصدار إنذار يستوجب الفحص، لكن هذا الإنذار ليس حكماً ولا دليلاً نهائياً على الجريمة؛ فقد تكون المعاملة مرتبطة بتجارة مشروعة، أو بسداد التزام، أو بتحويلات أسرية، أو بظروف استثنائية فرضتها الحرب. وتكمن أهمية الإجراءات المهنية لمكافحة غسل الأموال في أنها تفصل بين الاشتباه والإدانة: تبدأ بمراجعة التنبيه وطلب المعلومات، ثم رفع تقرير عن المعاملة المشبوهة إلى وحدة المعلومات المالية لتحليله، قبل إحالة ما يستوجب التحقيق إلى النيابة، ليظل الفصل في ثبوت الجريمة والعقوبة من اختصاص القضاء.
    أما اقتراح تصنيف الحسابات خلال 72 ساعة إلى حسابات للمضاربة والتهريب وغسل الأموال وتمويل الحرب، فهو لا يعكس فهماً سليماً للعمل المصرفي. إنه يلغي التحقيق والنيابة والقضاء، ويمنح السلطة التنفيذية ونظاماً حسابياً حق تحديد المجرمين. والخطر لا يكمن في ضعف الخوارزمية وحده، بل في الجهة التي تختار البيانات وتضع مؤشرات الاشتباه وتحدد من يخضع للمراقبة ومن يُستثنى منها.
    فالخوارزمية لا تنزل من السماء محايدة؛ يصممها بشر ويختارون قواعدها وحدودها وأوزانها. فإذا كانت السلطة منحازة وكانت البيانات انتقائية، أصبحت الخوارزمية وسيلة لتنفيذ انحياز السلطة بسرعة وكفاءة أكبر. ويمكن عندها أن يتحول الانتماء السياسي أو الموقع الجغرافي إلى مؤشر اشتباه يؤدي إلى تجميد الحساب وحرمان صاحبه من أمواله قبل أن تُتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.
    ويتضح الطابع السياسي للمنشور في مطالبته بتتبع حسابات المعارضين والمنصات المرتبطة بقوات الدعم السريع، من دون أن يطالب بإخضاع شركات الجيش والأجهزة الأمنية والحركات المسلحة المتحالفة معه وشبكات الذهب والوقود للرقابة نفسها. كما لا يتساءل عن حسابات المؤسسات التي تمول الحرب، أو عن عائدات الصادرات التي لا تدخل الجهاز المصرفي، أو عن الأموال العامة الواقعة خارج ولاية وزارة المالية والمراجعة العامة.
    وهنا يبرز السؤال الذي يتجنبه المنشور: من يملك السيولة الضخمة التي تُستخدم في شراء العملات الأجنبية بأي سعر؟ ومن يغذي الحسابات المصرفية بمبالغ هائلة من العملة المحلية؟ ومن يحمي شبكات الذهب والوقود والتهريب والمضاربة التي يُشتبه في ارتباطها بمؤسسات الدولة العميقة ومصالح تنظيم الإخوان؟ فمن غير المرجح أن يستطيع المضارب الصغير وحده تحريك سعر الصرف بهذه السرعة، أو أن يملك القدرة على خلق مليارات الجنيهات أو تمريرها عبر حسابات متعددة من دون حماية أو معرفة من داخل مؤسسات الدولة والجهاز المصرفي.
    وبدلاً من التحقيق في احتمال استخدام شبكات مرتبطة بالدولة العميقة للمضاربة في العملة وتخريب الاقتصاد، ينقل المنشور مركز الاتهام إلى المعارضين السياسيين ومنصات بعينها. وهكذا تتحول الخوارزمية من أداة لكشف الجريمة المالية إلى وسيلة لإعادة إنتاج رواية الأجهزة الأمنية: إبعاد الشبهة عن المؤسسات النافذة، وحجب مسؤولية ممولي الحرب وشبكات الاقتصاد الموازي، ثم تحميل الخصوم السياسيين مسؤولية انهيار صنعته الحرب وسياسات السلطة نفسها.
    المعيار المهني لا يبدأ بالأسماء ثم يبحث لها عن اتهامات، بل يبدأ بالبيانات ويخضع الجميع لقواعد واحدة. فإذا كان تحويل ملياري جنيه عند الثانية صباحاً يستوجب الاستفسار، فيجب أن ينطبق ذلك على حساب التاجر والمسؤول الحكومي والشركة العسكرية والحركة المسلحة والمصرف نفسه. أما إعداد قوائم سياسية مسبقة، ثم تسخير أدوات الرقابة المالية لملاحقة أصحابها، فليس مكافحة لغسل الأموال، بل تصفية سياسية مؤتمتة.
    كما أن بيانات تطبيق مثل «بنكك» لا تكفي وحدها لإثبات شراء العملات الأجنبية. فالتطبيق يسجل تحويلاً بالجنيه بين حسابين، لكنه لا يعرف تلقائياً ما إذا كان المقابل دولاراً في السوق الموازية أو مقابلاً لمعاملة مشروعة. وإثبات العلاقة يتطلب ربطاً قانونياً بين بيانات المصارف والصرافات والجمارك والضرائب والسجل التجاري، مع تحديد المستفيد الحقيقي وإجراء تحقيق مالي يفسر المعاملة في سياقها.
    ويظهر قصور هذا التصور في مثال افتراضي هو شراء ألف جوال سكر: فكيف تعرف الخوارزمية أن المشتري لا يملك متجراً، في غياب الفاتورة الإلكترونية وبيانات السجل التجاري والمخزون والضرائب؟ فالخوارزمية تحلل البيانات المتاحة، لكنها لا تستطيع اختراع البيانات المفقودة.
    والأخطر أن المنشور يدعو إلى ربط الحسابات بهوية رقمية وبصمات بيومترية مركزية، من دون أن يذكر قانوناً لحماية البيانات، أو استقلال وحدة المعلومات المالية، أو رقابة القضاء، أو حق المواطن في معرفة سبب تجميد حسابه وتصحيح بياناته والطعن في القرار. وفي دولة تحكمها سلطة حرب، يمكن أن تتحول هذه البنية من أداة امتثال مصرفي إلى جهاز شامل للمراقبة السياسية والإقصاء المالي.
    أما أزمة الجنيه فلا يمكن اختزالها في حسابات تتحرك عبر التطبيقات. فانهيار العملة نتيجة لتضافر عوامل عدة: الحربوتمويلها، وتراجع الإنتاج والصادرات، وتهريب الذهب، واتساع العجز، وفقدان الثقة، وخروج معظم الكتلة النقدية من المصارف، وارتفاع الطلب على العملات لتمويل الوقود والدواء والاستيراد. وقد تساعد أنظمة التحليل في كشف بعض المعاملات المشبوهة، لكنها لا تصنع احتياطيات من النقد الأجنبي، ولا تعيد المصانع والمزارع إلى الإنتاج، ولا توقف التهريب ما دامت مؤسسات نافذة توفر له الحماية.
    لذلك فالمطلوب ليس «إعداماً رقمياً»، وإنما نظام مهني لمكافحة غسل الأموال يخضع للقانون والقضاء والرقابة المستقلة، ويحمي البيانات والحقوق، ويطبق معاييره على الجميع بلا استثناء. وإذا استُخدمت الخوارزميات فعلاً، فيجب أن تمتد رقابتها إلى جميع المتحكمين في الاقتصاد الموازي وفي أهم موارد السودان، بمن فيهم الأجهزة النظامية والمليشيات العسكرية وطبقة الدولة العميقة الطفيلية، وأن تشمل الحسابات التي تُضخ عبرها كميات ضخمة من الجنيه لشراء العملات الأجنبية. أما أن تتوقف الخوارزمية عند باب السلطة وتعمل فقط ضد خصومها، فذلك ليس امتثالاً مصرفياً، بل توظيف سياسي للتقنية.
    الجنيه لا تنقذه مصادرة الحسابات ولا مطاردة الخصوم، بل وقف الحرب وتمويلها، وإخضاع الذهب والمال العام والاقتصاد الموازي للشفافية والمراجعة، واستعادة الإنتاج والثقة وسيادة القانون. فالخوارزمية قد تكشف نمطاً مشبوهاً، لكنها لا تستطيع إصلاح دولة ترفض أن تخضع هي نفسها للمحاسبة.

    Author

    عمر سيد احمد

  • مجلس نقابة الصحفيين : حتي لا يكون “الظرف القاهر” مجرد حيلة ل(انقلاب شرعي) علي مصلحة وحقوق الناخبين

    مجلس نقابة الصحفيين : حتي لا يكون “الظرف القاهر” مجرد حيلة ل(انقلاب شرعي) علي مصلحة وحقوق الناخبين

    في بيان اعلان تمديد ولاية مجلس نقابة الصحفيين (الديمقراطيين) لمدة ثلاثة أشهر ـ بسبب حالة الحرب ـ وردت فقرة تفخر بان نقابة الصحفيين هي اول جسم ينتخب في السودان منذ عقود طوال؛ واول ثمار ثورة ديسمبر الباسلة..
    هذا الفخر اذا قرنّاه مع واقع ان ديسمبر نفسها اصبحت منذ اكتوبر ٢٠٢٢م في مهب ريح انقلاب، ثم في مهب عاصفة حرب شاملة !! ثم قرأناه مع الفقرة التي يعلن فيها المجلس المُمدد له او الممدد لنفسه انسحابه من عضوية (بصفة مراقب) تحالف صمود .. فهل يبقي له أي اساس يقوم عليه؟!
    هل يدرك المجلس الممدد لنفسه حجم التحدي (الذي لا يواجه الصحفيين و مهنتهم وحدها، انما يواجه الوطن بأكمله في ظل حرب وقتل وتشريد ونزوح)، بعد واقع انهيار وتردي مؤسسات المهنة ومنسوبيها بسبب تقلبات الزمن وفشل السياسات والادارة في انتشال تلك المؤسسات من الضياع!؟
    فما يواجه الصحفيين ومهنتهم ليس فقط عدم كفالة حرية الصحافة والتعبير والنشر و حق الحصول علي المعلومات .. انما حق الحياة نفسه وحق العمل (و بيئة عمل ـطبيعية- عادلة ومنصفة) في ظل افلاس المؤسسات الصحفية والاعلامية و سيطرة اعلام الدولة و وكالات اعلام التخابر.
    هل يملك المجلس وحده امكانية مجابهة (انقلاب وحرب)؟ ام بحجة (الظروف القاهرة) سيختار اخلاء الساحة الوطنية و (الانسحاب) من الشأن العام والانغماس في عمل روتيني (بيانات عامة فضفاضة عند الضرورة وعلي شاكلة اطلقوا سراح الصحفي فلان ونرفض فصل الصحفي فرتكان) بينما غالبية الصحفيين يعيشون حياة لافرق بينها والموت؟! و يعملون في ظروف تشابه البطالة او هم بلا عمل فعلاً؟!
    ثم هل (الظروف القاهرة) هي مبرر مطلق لتعليق الحقوق النقابية (الديمقراطية)؟
    هل يريد المجلس ان يكون كالاحزاب التي ظلت تحتمي خلف (درع) الظروف القاهرة لتتحول الي دكتاتوريات مدنية يحتكر فرد (او بيت أو شُلة) فيها القرار لأربعة او خمسة عقود؟؟ فبمبرر دكتاتورية جعفر نميري وعمر البشير اصبح المهدي دكتاتور حزب الامة و الميرغني دكتاتور الاتحاديين و نقد دكتاتور الشيوعيين منذ (١٩٧٠م) !!
    ان الظروف القاهرة التي اتاحت لهم عقد اجتماع و تقرير تمديد الدورة تتيح بالتأكيد كذلك تجديد دماء اللجنة التنفيذية و رئاسة النقابة.. فلماذا لم يقرر المجلس انتخاب لجنة تنفيذية جديدة و نقيب جديد؟ ام ان التمديد يعم الجميع؟
    كذلك ملء الشواغر بالمجلس (التي فرغت بالاستقالة او الفصل او الوفاة) وذلك بالتشاور داخل المجلس ووسط القاعدة النقابية.
    ان الانتخابات ليست غاية في ذاتها وانما غايتها هي احداث تغيير في الوجوه وانماط القيادة و متي ما حانت هناك فرصة لاحداث (التغيير) فلا يجب اضاعتها بحجة عدم امكان عقد انتخابات.. حتي لا يكون (الموت) هو وسيلة التغيير الوحيدة!
    ان من المخل في هذا الزمن (عصر ثورة التقنية والذكاء الصناعي) ان تتحجج نقابة او أي جهة بعذر الظروف القاهرة لتحجم عن اجراء استحقاق .. فنقابة تعرف عضويتها بامكانها ان تعقد انتخابات (او مشاورات) حضورية /أو عبر تواكيل قانونية/ او عبر اي من وسائط الاتصال .
    قلنا هذا قبل اكثر من عقد للمحامين (ان السكوت والقبول بعقد الجمعية العمومية بتمثيل شخصي – لا تمثيل نيابي – و باجراء الانتخابات حضورياً في الخرطوم اجراء عفا عنه الزمن والاستمرار عليه قصد منه اقصاء محامي طوكر والضعين و الجبلين وبدين؛ وان علي المحامين ان يطعنوا في هذه الاجراءات و يضغطوا لتعديلها ليكون التمثيل في الاجتماع العام تمثيلي نيابي لا شخصي و لإجراء الانتخابات لامركزياً.. لكن لا حياة لمن تنادي!)
    ان المحك هنا هو حصر العضوية الملتزخة بواجبها، وحيث ان النقابة هي جسم يتألف من عضوية مهنية (يأدون ما عليهم من واجب – يسددون اشتراكاتهم المالية) ليقوم هذا الجسم بتمثيل مصلحتهم المهنية، فان لهذه العضوية الحق في تصان إرادتها ويسمع صوتها عبر التمثيل النيابي (تصعيد ممثلين عن الصحفيين اينما كانوا) لا يتم تغييبها بحجة (الظروف) فهي -النقابة – ليست مجرد واجهة علاقات دولية او خارجية (لاستقطاب دعومات) او جسم يمكن ان يخطتف ليحقق مصالح (المُختطفين) الشخصية!

    ابونوره اوهاج

    mohmedanwar752@gmail.com

    Author

    ابونوره اوهاج

  • وفاة صحفية فرنسية أثارت جدلا واسعا في العالم حول “ذكورة” زوجة ماكرون

    وفاة صحفية فرنسية أثارت جدلا واسعا في العالم حول “ذكورة” زوجة ماكرون

    توفيت الصحفية الفرنسية ناتاشا راي، المعروفة بدعواها المثيرة للجدل حول الهوية الجنسية للسيدة الأولى بريجيت ماكرون، يوم 13 سبتمبر الجاري بعد صراع مع مرض السرطان.

    جاء ذلك في منشور على حساب زميلها كزافييه بوسار عبر منصة “إكس”، مشيرا إلى أن جنازتها أقيمت في مقبرة سان باليه بمدينة سانت.

    وجاء إعلان الوفاة في توقيت متزامن مع كشف نتائج معركة قضائية طويلة، حيث نجحت راي في الفوز بقضية التشهير المرفوعة ضدها أمام محكمة الاستئناف في باريس.

    وكانت الصحفية قد أثارت ضجة واسعة في ديسمبر 2021، قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية، من خلال مقطع فيديو على قناة اليوتيوب الخاصة بأماندين روي، ادعت فيه أنها تكشف نتيجة تحقيق استمر لسنوات يزعم أن بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس إيمانويل ماكرون، كانت رجلا يدعى جان ميشيل قبل تغيير جنسها.

    وكانت محكمة باريس الابتدائية قد حكمت في سبتمبر 2024 بغرامة قدرها 13.5 ألف يورو على كل من راي وروي بتهمة التشهير، لكن محكمة الاستئناف نقضت هذا الحكم في يوليو 2025، معتبرة أن معظم تصريحات الصحفية لا تندرج تحت التعريف القانوني للتشهير.

    ومن جانبه، أكد محامي السيدة الأولى عزمه على الطعن في قرار البراءة هذا، مما يبقي الجدل القانوني والأخلاقي حول القضية مفتوحا.

    المصدر: “إكس” + روسيا اليوم

  • حدود القوة وانحسار الهيمنة: الحركة الإسلامية السودانية ١٩٤٩–٢٠٢٦

    حدود القوة وانحسار الهيمنة: الحركة الإسلامية السودانية ١٩٤٩–٢٠٢٦

    ١ من ١٢

    سنوات البحث عن موطئ قدم

    إبراهيم برسي

    في صباح ٣٠ يونيو ١٩٨٩ استيقظ السودانيون على صوت ضابط ظهر بزيه العسكري على شاشة تلفزيون السودان القومي، وهو يقرأ البيان الأول لانقلاب أطاح بحكومة الصادق المهدي المنتخبة، وحل البرلمان والأحزاب، بينما بثت إذاعة أم درمان المارشات العسكرية قبل أن تنقل ذلك البيان الأول، الذي بدأت معه واحدة من أسوأ وأطول فترات الحكم العسكري والشمولي للإخوان في تاريخ السودان الحديث.

    لم يكن معظم السودانيين يعرفون الكثير عن الرجل وقتها. إنه العميد عمر حسن أحمد البشير، أو ما عُرف لاحقًا، في المفهوم الشعبي الساخر للشارع السوداني، بـ”بَشّة”.

    ما لم يقله “بَشّة” في ذلك البيان وقتها، قصة بدأت قبل أربعين عامًا. وهذا ما سأتطرق إليه بإسهاب في هذه الحلقات الاثنتي عشرة.

    كانت البداية بين عدد محدود من الطلاب، ثم امتد الطريق إلى المدارس والجامعة والنقابات والسجون والمنافي والمصالحة مع جعفر نميري، ودخلت الحركة المصارف والأسواق ومؤسسات الدولة، ووصلت إلى القوات المسلحة، وبنت عملًا أمنيًا ومعلوماتيًا، وخاضت الانتخابات، وحصلت في آخر انتخابات ديمقراطية قبل الانقلاب على واحد وخمسين مقعدًا، لتصبح القوة الثالثة في البرلمان.

    وبعد ثلاثة أعوام فقط من تلك الانتخابات، استولت الجبهة الإسلامية القومية على السلطة بانقلاب عسكري.

    هذه المفارقة هي أحد الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذه الدراسة.

    كيف انتقلت حركة بدأت وسط الطلاب في نهاية الأربعينيات إلى تنظيم يستطيع، بعد أربعة عقود، أن يصل عبر انقلاب عسكري إلى رأس الدولة؟

    كيف دخلت القوات المسلحة المشهد السياسي؟ ومن الذي أدخل عمر البشير إلى التنظيم أصلًا؟ ولماذا لم يكن البشير، بحسب روايات من داخل الحركة، الرجل الأول في تسلسل قيادة تنظيمها العسكري؟ ومن كان الهادي مأمون المرضي ومختار محمدين وعثمان أحمد حسن، الذين تظهر أسماؤهم في روايات ذلك التنظيم قبل أن يصل البشير إلى قيادته؟

    وما حقيقة الرواية التي تقول إن للحركة ساعة صفر في ٢٢ يونيو ١٩٨٩، قبل ثمانية أيام من الانقلاب، ثم عُدل عنها؟ ومن كان يعرف ساعة الصفر في الدائرة المدنية؟ وما الأدوار التي لعبها حسن الترابي وعلي عثمان محمد طه وعوض أحمد الجاز وإبراهيم السنوسي وعلي الحاج وياسين عمر الإمام وغيرهم في السنوات التي سبقت الانقلاب؟ ولماذا ذهب الترابي إلى السجن حبيسًا، في الصباح نفسه الذي دخل فيه البشير القصر رئيسًا؟

    لا أود هنا كتابة تاريخ عام للإخوان المسلمين في السودان، ولا سيرة مختلفة لحسن الترابي، بقدر ما هي محاولة لتتبع مصادر القوة التي بنتها الحركة الإسلامية عبر تاريخها، وكيف تغيرت هذه القوة عندما انتقلت من المجتمع إلى القيادة، ثم ماذا حدث لها عندما استلمت الحكم ومفاصل الدولة.

    في هذا البحث اعتمدت على الكتب والدراسات الأكاديمية والوثائق والصحف والمقابلات والشهادات المنشورة، وما ظهر من إفادات واتهامات في محاكمة انقلاب ١٩٨٩. واستفدت كذلك من معلومات تراكمت لدي عبر سنوات من الحديث والتواصل مع أشخاص كانت لهم صلات مباشرة أو قريبة من أجهزة الأمن والمخابرات ومواقع اتخاذ القرار في حكومة انقلاب الثلاثين من يونيو. بعض هؤلاء لا يريدون الكشف عن هوياتهم، وهذا حقهم، لكنه لا يحول ما يقولونه إلى حقيقة لمجرد قربهم من الأحداث. سأضع إفاداتهم، كلما أمكن، أمام مصادر أخرى.

    وهذه مسألة مهمة في تاريخ جرى جزء كبير منه في السر، والسر، بعد مرور السنوات، يتحول عادة إلى أسطورة.

    وقد وجدت أثناء البحث وقائع تتكرر في عشرات المقالات حتى تبدو ثابتة، ثم حين أعود إلى أصلها أجد شهادة واحدة متأخرة. ووجدت، في المقابل، تفاصيل صغيرة لا تكاد تُذكر في السرد السياسي العام، لكنها تصبح مهمة جدًا عندما توضع إلى جوار شهادات أخرى مستقلة عنها.
    وللأمانة، سأقول “لا أعرف” عندما لا أعرف. وسأقول “بحسب شهادة فلان” عندما يكون المصدر شهادة. وسأقول “نسب الادعاء” عندما تكون المعلومة واردة في ملف اتهام لم يصدر فيه حكم نهائي.

    ولمعرفة أصل الحكاية نحتاج إلى الرجوع قليلًا إلى الوراء، إلى ما قبل البشير والترابي وعلي عثمان وعوض الجاز وإبراهيم السنوسي، وقبل “التمكين” وبيوت الأشباح والدفاع الشعبي والمفاصلة.

    كانت هناك مجموعة صغيرة من الطلاب، ومن المسار التنظيمي الذي بدأ هناك ستخرج، عبر انقسامات وتحولات وأجيال مختلفة، الحركة التي ستصل بعد أربعة عقود إلى السلطة عبر انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩.

    ليس لأن انقلاب ١٩٨٩ كان مُعدًّا له أصلًا منذ الاجتماعات الأولى لحركة أولئك الطلاب. لم يكن كذلك. وبالتأكيد لم يكن بابكر كرار ورفاقه، في نهاية الأربعينيات، يخططون لانقلاب سيقع بعد أربعين عامًا. إلا أن قراءة التاريخ من نهايته تجعل ما حدث لاحقًا سببًا لما سبقه.

    البداية التنظيمية الأوضح تعود إلى مارس ١٩٤٩، عندما تشكلت “حركة التحرير الإسلامي” في كلية غردون التذكارية، وكان من أبرز مؤسسيها بابكر كرار ومحمد يوسف محمد. كانت البيئة الطلابية وقتها تشهد نشاطًا يساريًا متصاعدًا، وكانت الحركة السودانية للتحرر الوطني حاضرة بقوة في الوسط الطلابي. ونشأت حركة التحرير الإسلامي جزئيًا في مواجهة ذلك الحضور اليساري المتصاعد، مع وجود نشاط وتأثير إسلامي وإخواني أسبق في السودان.

    وقبل المضي قدمًا في هذه الأرشفة، أود الإشارة إلى الخطأ الذي عادة ما يقع فيه بعض المحللين السياسيين، وحتى بعض الإسلاميين منهم، وهو أن الإخوان المسلمين في مصر أنشأوا فرعًا سودانيًا؛ فهذا لا يصف ما حدث بدقة. التأثير المصري كان موجودًا، وكانت أفكار حسن البنا معروفة، وللإخوان اتصالات سابقة بالسودان، لكن المجموعة التي نشأت في كلية غردون قدمت نفسها بوصفها تجربة سودانية، وظهرت داخلها مبكرًا خلافات حول الهوية والقيادة والعلاقة بالتنظيم المصري. وتشير بعض الدراسات إلى أن التيارات التي صُنفت لاحقًا تحت الاسم الواسع “الحركة الإسلامية” كانت مختلفة منذ بدايتها في الاستراتيجية وبعض التوجهات الفكرية.

    وفي الخمسينيات أصبحت تلك الخلافات أوضح، حيث التف فريق تحت اسم الإخوان المسلمين، واتجه إلى صلة أوثق بالتجربة الإخوانية المعروفة وقتها، بينما مضى بابكر كرار ومن معه في طريق آخر، سيقوده لاحقًا إلى تصورات مختلفة، من بينها ما عُرف بـ”الاشتراكية الإسلامية”. ولذلك يصعب الحديث عن الحركة الإسلامية السودانية كما لو أنها وُلدت منذ يومها الأول تنظيمًا واحدًا، بقيادة واحدة وفكرة لم تتغير.

    في تلك السنوات كانت السيطرة على فضاء الجامعة والمدارس أهم للحركة من البرلمان نفسه. هناك كان الاستقطاب يبدأ، وهناك تتشكل علاقات لا تنتهي بالضرورة مع التخرج. وستظهر أهمية هذا الأمر لاحقًا، عندما يصبح أشخاص عرف بعضهم بعضًا في الدراسة والعمل الطلابي جزءًا من شبكات سياسية ومهنية تمتد إلى مؤسسات الدولة.

    كانت الأحزاب التقليدية تمتلك قواعد اجتماعية أوسع كثيرًا، مرتبطة بالطائفة والعائلات والمناطقية وشبكات المجتمع القديمة. الإسلاميون لم يملكوا شيئًا مماثلًا بالحجم نفسه، فعوضوا جانبًا من ذلك بتنظيم أكثر انضباطًا، وبالتركيز على قطاعات الطلاب والخريجين والمهنيين. ومن هنا بدأ يتكون نوع من النفوذ لا تعكسه صناديق الاقتراع وحدها.

    عندما سقط نظام الفريق إبراهيم عبود في أكتوبر ١٩٦٤، كانت الحركة قد تجاوزت طور المجموعة الطلابية الصغيرة. برز حسن الترابي بعد عودته من دراسته في الخارج، وأصبحت جبهة الميثاق الإسلامي الواجهة السياسية الأهم للإسلاميين في سنوات الديمقراطية الثانية.

    دخل الإسلاميون الانتخابات والبرلمان واستفادوا من المجال الذي فتحته الديمقراطية، وكانوا في الوقت نفسه من أكثر القوى حماسة لمعركة حل الحزب الشيوعي بعد حادثة معهد المعلمين سنة ١٩٦٥. ومن الظلم للتاريخ أن نحملهم وحدهم مسؤولية قرار احتاج إلى أغلبية برلمانية وفرتها قوى أكبر منهم، وفي مقدمتها حزبا الأمة والاتحادي، لكن الواقعة تظل مهمة لفهم علاقتهم المبكرة بقواعد المنافسة الديمقراطية عندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع حول حق الخصم نفسه في الوجود القانوني.

    ومع ذلك، ظلت صناديق الاقتراع تضع حدودًا واضحة لحجم الحركة. في انتخابات ١٩٦٨ لم تكن جبهة الميثاق منافسًا انتخابيًا لحزبي الأمة والاتحادي على مستوى البلاد. لم يكن في نتائج تلك الانتخابات ما يسمح بتوقع أن هذا التيار نفسه سيصبح، بعد واحد وعشرين عامًا فقط، صاحب السلطة كلها.

    ثم جاء جعفر نميري.

    بعد انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ تعرض الإسلاميون، مثل بعض القوى السياسية الأخرى، للاعتقالات والمطاردة، وخرج بعض قادتهم إلى المنافي. وفي يوليو ١٩٧٦ شاركوا ضمن الجبهة الوطنية، إلى جانب حزب الأمة وبعض القوى المعارضة، في المحاولة المسلحة الفاشلة لإسقاط نميري. لم تكن أحداث يوليو انقلابًا إسلاميًا على صورة ما سيحدث في ١٩٨٩، وكانت الجبهة الوطنية أوسع من الحركة الإسلامية، لكن التجربة مهمة لما جاء بعدها.

    وفي العام التالي جلس بعض الذين حاولوا إسقاط نميري معه.

    كانت المصالحة الوطنية في ١٩٧٧ أكثر من عودة معارضين إلى الخرطوم أو خروج معتقلين من السجون. بالنسبة إلى الإسلاميين، فتحت المصالحة طريقًا إلى مؤسسات النظام الذي كانوا يقاتلونه قبل عام واحد. دخل بعضهم الاتحاد الاشتراكي، وتبوؤوا مواقع رسمية، ودخلوا إعلام الدولة، واتسعت في السنوات التالية شبكات اقتصادية ومصرفية ارتبط بها إسلاميون ورجال أعمال قريبون منهم.

    للمرة الأولى أصبحت الدولة نفسها جزءًا مهمًا من البيئة التي تتحرك داخلها الحركة الإسلامية.

    وكانت هناك مؤسسة أخرى ستصبح أهم من كل ذلك بعد سنوات: القوات المسلحة.

    يضع خالد مصطفى مدني بداية المشروع المنظم للعمل داخل الجيش في ١٩٧٨، بعد المصالحة الوطنية. وبحسب بحثه، ناقش مجلس شورى الحركة هذا الاتجاه، وكلف المكتب التنفيذي بالعمل العسكري تحت إشراف حسن الترابي، ضمن لجنة ضمت إلى جانبه عوض أحمد الجاز وعلي عثمان محمد طه وعلي الحاج وإبراهيم السنوسي وعبد الله حسن أحمد. ولم يكن الاتصال المباشر بالعناصر التي جرى تجنيدها سرًا داخل القوات المسلحة متاحًا لأعضاء اللجنة جميعًا؛ إذ يحصر مدني هذا الاتصال، في المرحلة الأولى، في الترابي وعلي الحاج وإبراهيم السنوسي.

    هذه نقطة مهمة، لأنها تضع بداية المشروع قبل انقلاب ١٩٨٩ بأكثر من عشر سنوات، وقبل أزمات الديمقراطية الثالثة واتفاق الميرغني–قرنق ومذكرة الجيش بوقت طويل.

    أما الصورة التفصيلية لذلك التنظيم، فهي أكثر تعقيدًا مما تسمح به الروايات الشائعة.

    تظهر في الشهادات اللاحقة أسماء مثل محمد الهادي مأمون المرضي ومختار محمدين وعثمان أحمد حسن، قبل أن يصل عمر البشير إلى قيادة التنظيم العسكري. ويقول إبراهيم السنوسي، في شهادة لاحقة، إن البشير انضم إلى خلايا الحركة داخل الجيش سنة ١٩٨١، وتوجد روايات أخرى من داخل الحركة تتقاطع مع أصل هذه القصة، وإن اختلفت في بعض تفاصيلها.

    هذه الشهادات لا تكفي وحدها لإغلاق الملف، لكنها تكفي لفتح سؤال ظل غائبًا عن الرواية المختصرة لانقلاب ١٩٨٩: إذا كان العمل داخل الجيش قد بدأ قبل أكثر من عقد، وإذا كان البشير لم يكن أول من قاد الضباط الإسلاميين، فكيف وصل هو تحديدًا إلى موقع الرجل الذي سيظهر أمام السودانيين صباح الثلاثين من يونيو؟

    سنعود إلى ذلك في موضعه.

    قبل ذلك كانت البلاد ستتغير مرة أخرى.

    سقط نميري في أبريل ١٩٨٥، وعادت الأحزاب والصحف والنقابات، وعاد الإسلاميون إلى المنافسة العلنية تحت اسم “الجبهة الإسلامية القومية”. وفي انتخابات أبريل ١٩٨٦ حققت الجبهة أفضل نتيجة انتخابية في تاريخها حتى ذلك الوقت: واحدًا وخمسين مقعدًا، وأصبحت القوة الثالثة في البرلمان بعد حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي. وتعذر إجراء الانتخابات في عدد من دوائر الجنوب بسبب الحرب.

    لا ينبغي التقليل من معنى الواحد والخمسين مقعدًا.

    فهي تقول إن الحركة، بعد نحو أربعة عقود من بداياتها الطلابية، أصبحت قوة سياسية واجتماعية حقيقية. كان لديها ناخبون، وحضور قوي بين قطاعات من الخريجين والطلاب والمهنيين، ونفوذ في المدن وبعض الأقاليم. ومن الخطأ كتابة تاريخها كما لو أنها كانت جماعة سرية صغيرة بلا قاعدة اجتماعية، ثم استولت فجأة على بلد لا يعرفها.

    لكن واحدًا وخمسين مقعدًا ليست أغلبية أيضًا.

    وهنا تبدأ المفارقة التي سترافق بقية هذه الدراسة.

    في سنة ١٩٨٦ كان أمام الجبهة الإسلامية طريق مفتوح للعمل السياسي العلني. لديها حزب قانوني، وصحف، ومال، وكوادر، وكتلة برلمانية معتبرة، وقاعدة اجتماعية حقيقية. كان يمكن أن تزيد مقاعدها في انتخابات أخرى، وكان يمكن أن تخسر بعضها. تلك هي طبيعة السياسة التي عادت بعد انتفاضة أبريل.

    لكن الحركة كانت، في الوقت نفسه، قد قطعت شوطًا في طريق آخر لا يمر بصندوق الاقتراع.

    وهذه الحقيقة تجعل الثلاثين من يونيو أصعب من أن تُفسر بوصفها رد فعل متعجلًا على أزمة سياسية وقعت في الشهور الأخيرة من الديمقراطية. البنية التي جعلت الانقلاب ممكنًا كانت موجودة قبل اتفاق الميرغني–قرنق، وقبل مذكرة الجيش في فبراير ١٩٨٩، وقبل خروج الجبهة الإسلامية من الحكومة.

    ولا أريد أن أختصر تاريخها في مؤامرة دبرتها مجموعة صغيرة بعيدًا عن المجتمع. كان للحركة مجتمعها وناخبوها ومثقفوها وطلابها ومصالحها وتحالفاتها.

    السؤال أصعب من ذلك.

    كيف استطاعت حركة لها وزن اجتماعي حقيقي، لكنه لم يصل إلى أغلبية انتخابية، أن تبني خارج صندوق الاقتراع من القوة ما مكّنها، في النهاية، من الاستيلاء على الدولة كلها؟

    ومن هنا جاء عنوان هذه الدراسة: “حدود القوة وانحسار الهيمنة”.

    لا أستخدم الهيمنة بمعنى الحكم وحده. فالسيطرة على أجهزة الدولة شيء، والقدرة على بناء قبول اجتماعي يتجاوز حدود التنظيم وأنصاره شيء آخر. وهذا الفرق بين السيطرة السياسية والقدرة على إنتاج قبول أوسع هو الذي يجعل مفهوم الهيمنة مفيدًا هنا. ولا أريد أن أبدأ من غرامشي ثم أبحث عن السودان داخل نظريته؛ أريد أن أصل إلى السؤال من التجربة السودانية نفسها.

    فالذي حدث لاحقًا يضع أمامنا مفارقة يصعب تجاوزها: الحركة التي لم تحصل على أغلبية عبر الانتخابات استطاعت أن تحكم السودان ثلاثين عامًا، والحركة التي سيطرت على الدولة وبنت خلال تلك السنوات نفوذًا واسعًا داخل الجيش والأمن والحزب ومؤسسات الحكم لم تستطع، في النهاية، أن تمنع سقوط نظامها في أبريل ٢٠١٩.

    ومع ذلك، لم تختف الحركة بسقوط البشير.

    وهذه وحدها قصة أخرى.

    لكن الوصول إليها يحتاج أولًا إلى فهم اللحظة التي تغير فيها موقع الإسلاميين داخل الدولة. وهي، في تقديري، ليست ٣٠ يونيو ١٩٨٩.

    قبل الانقلاب باثني عشر عامًا جلس خصوم جعفر نميري معه في المصالحة الوطنية. دخلها الإسلاميون وهم قوة سياسية مطاردة، خرج بعضها من السجون والمنافي، وكانت قبل عام واحد جزءًا من محاولة مسلحة لإسقاط النظام.

    بعد المصالحة أصبح الطريق إلى مؤسسات الدولة مفتوحًا أمامهم بصورة لم يعرفوها من قبل.

    نتوقف هنا، وفي المقال القادم نصل إلى الجزء الثاني من هذه السلسلة: “المصالحة التي غيّرت كل شيء”، ونعود إلى عام ١٩٧٧ لنتتبع ما الذي فتحته المصالحة أمام الإسلاميين داخل دولة نميري. ومن هناك نقترب من المال والمصارف ومؤسسات الدولة، ومن التحول الذي سيغير طبيعة الحركة ومصادر قوتها في السنوات التالية.

    zoolsaay@yahoo.com

    Author

    إبراهيم برسي

  • استعادةُ المواطن، كمرحلةٍ ثانيةٍ من الحرب عليه

    استعادةُ المواطن، كمرحلةٍ ثانيةٍ من الحرب عليه

    وجدي كامل

    يقع مناصرو التنظيم الإخواني المسلّح وأعوانه هذه الأيام في واحدة من أكثر مفارقاتهم دلالة، وهم يكثّفون الدعوة إلى المواطنين للعودة إلى السودان، بينما يقيم كثير منهم خارج البلاد، ويعود بعضهم في زيارات قصيرة، ومهام مدفوعة الثمن لإطلاق حملات العودة، ثم يغادرون من جديد. وكانت آخر هذه الحملات حملة «وينو الكيماوي».

    ليست الغرابة في أن يُدعى السودانيون إلى العودة إلى بلادهم؛ فالعودة الطوعية والآمنة والكريمة حقٌّ معترف به في القانون الدولي. ولكن الغرابة في أن الذين شاركوا في إنتاج الخطاب المؤيّد للحرب، أو وقفوا إلى جانب القوى المتحاربة، يظهرون اليوم في موقع من يستدعي المواطن للعودة، من دون اعتراف واضح بحقيقة ما جرى له، أو بمن دفعه إلى النزوح، أو بما فقده أثناء الحرب من أملاك وممتلكات وكرامة.

    المشكلة الجوهرية هنا في تغيير موقع المواطن داخل الرواية نفسها. فالمواطن الذي كان ضحية للقتل والنهب والترويع وتدمير الممتلكات، واضطر إلى ترك بيته ومدينته وبلاده حفاظًا على حياته، يجري اليوم تقديمه في خطاب العودة باعتباره غائبًا ينبغي استعادته. انه في ذلك ينتقل من موقع من تعرّض للفعل إلى موقع من يُطلب منه أن يفعل؛ ومن موقع الضحية إلى موقع المسؤول عن إنقاذ ما تبقّى من البلاد.

    اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، بعد تصاعد الخلاف بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وقد وقعت المعارك داخل المدن وبين الأحياء السكنية، فدفع المدنيون الثمن الأكبر من حياتهم وأمنهم وممتلكاتهم وكرامتهم. ولا يعني تحديد هذا التاريخ اختزال أسباب الحرب في عامل واحد، كما لا يعفي القوى السياسية والعسكرية التي أسهمت في إجهاض الانتقال الديمقراطي من مسؤولياتها السابقة، لكن التمييز بين تاريخ اندلاع الحرب وتفسير أسبابها ضروري حتى لا يتحول التحليل السياسي إلى مجرد ادّعاء.

    فالحرب لم تدمر المدن والمنازل والمصانع والأسواق وحدها، بل عبثت بعلاقة المجتمع بذاكرته. وما يجري الآن يبدو في جانب منه أنّه محاولة لإعادة هندسة هذه الذاكرة، بأن يُنسى المواطن كيف خرج، وأن يُطرح بدلًا من ذلك السؤال عن سبب عدم عودته؛ وأن تتحول خسارته إلى واجب، بينما تختفي مسؤولية الذين صنعوا هذه الخسارة ولا تجري أيّة محاسبة.

    لقد أُجبر ملايين السودانيين على النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى خارجها. وتشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن السودان شهد واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع استمرار حركة النزوح والعودة وتغيّر أعداد النازحين والعائدين بحسب تطورات القتال وإمكان الوصول إلى المناطق المتضررة. لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالعائدون قد يكونون أشخاصًا عادوا من نزوح داخلي أو من دول اللجوء، وقد تُعرض الأعداد أحيانًا بصورة تراكمية لا تعكس عدد الموجودين فعليًّا في لحظة واحدة.

    ومع ذلك، تكشف تقارير النزوح والعودة حقيقة أساسية: العودة ليست نهاية النزوح بالضرورة.

    فأن يعود الإنسان إلى مكانه لا يعني أن حياته عادت إليه. قد يكون البيت مدمّرًا، والعمل مفقودًا، والخدمات غائبة، والأمن هشًّا، والمدخرات مستنزفة، والعائلة متفرقة. وقد يواجه العائد خطر النزوح مرة أخرى إذا استمرت الاشتباكات أو غابت الحماية أو تعذّر الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم. لذلك فإن العودة ليست مجرد انتقال في الاتجاه المعاكس لمسار النزوح، بل استعادة لشروط الحياة التي فقدها الإنسان.

    ومن هنا تصبح الدعوة إلى العودة، إذا انفصلت عن سؤال المسؤولية، قابلة لأن تتحول إلى شيء آخر: استعادة المواطن قبل استعادة حقوقه.

    فالمواطن مطلوب منه أن يعود إلى المدن المتضررة، وأن يساهم في اقتصاد منهار بدفع الضرائب والإتاوات، وأن يعيد تشغيل الأسواق والمؤسسات، وأن يشارك في إعادة إعمار ما فقده، بينما لا يُطرح السؤال الموازي بالقدر نفسه: من الذي يتحمّل كلفة الدمار الذي أخرجه من وطنه؟

    لقد كان المواطن في الحرب هو من يدفع الثمن حين يُقتل، أو يُنهب، أو يُهجّر، أو يُحرق منزله، أو يعبر الحدود بحثًا عن مكان آمن. ثم يجد نفسه أمام خطاب يقول له: عد، فالبلاد تحتاج إليك.

    لكن البلاد التي يحتاج إليها المواطن ليست مجرد جغرافيا يعود إليها؛ إنه يحتاج إلى وطن يعود إليه. والوطن الذي يعود إليه هو الذي يحميه من السلاح، ويصون بيته وملكيته، ويعيد إليه فرص العمل، ويضمن حقوقه، ويعترف بما تعرّض له، ويحاسب من اعتدى عليه. أما أن يعود إلى الخراب ثم يُطلب منه تحمّل كلفته، فهذه ليست استعادة للمواطن؛ إنها استعادة له بوصفه موردًا اقتصاديًّا.

    وهنا يصبح الإنسان هو المتغير الوحيد في المعادلة عندما يُطلب منه أن يعود، وأن يعمل، وأن يدفع الضرائب والرسوم الرسمية، وأن يتحمل أعباء المعيشة وإعادة البناء، بينما يبقى السؤال عن الذين صنعوا الحرب معلّقًا. وحين يُنسى السبب ويُستدعى الضحية إلى تحمّل النتيجة، تصبح الذاكرة نفسها أداة سياسية.

    يصبح السؤال: “لماذا لا يعود السودانيون؟” بديلًا عن السؤال الأسبق: “لماذا اضطر السودانيون إلى مغادرة بلادهم؟” ويصبح السؤال: “متى يساهم المغتربون في إعادة إعمار السودان؟” بديلًا عن سؤال آخر: “من الذي دمّر السودان، ومن يتحمّل مسؤولية إعادة إعمار ما دُمّر؟”

    لذلك فإن أخطر ما في هذه الغرابة، او المفارقة ليس أن بعض الذين يدعون إلى العودة يعيشون خارج السودان؛ فالإقامة في الخارج ليست جريمة ولا تناقضًا في ذاتها. الأخطر هو أن يتحول الخارج الذي لجأ إليه المواطن هربًا من الحرب إلى تهمة، بينما يتحول الداخل الذي هُجّر منه إلى واجب عليه أن يعود إليه، من دون مساءلة كافية عن القوة التي دفعته إلى الخارج.

    وفي هذا المناخ، يعود إلى الواجهة بعض الإعلاميين والناشطين المرتبطين بخطاب نظام عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، مقدّمين دعمًا سياسيًّا أو إعلاميًّا للقوى المتحاربة أو لقائد الجيش، بحسب مواقف كل منهم. ولا يصح تعميم هذه الصفة على جميع الأفراد من دون تحديد أسمائهم ومواقفهم ومصادر توثيقها.

    لكن حضور هذا الخطاب يظل دالًّا على أن الإعلام قد يصبح جزءًا من المعركة على الذاكرة: من يحدد المعتدي والضحية؟ ومن يتحمّل مسؤولية ما حدث؟ ومن يُطلب منه أن يدفع ثمنه؟ ولهذا فإن معركة المواطن ليست فقط مع السلاح الذي هجّره، وإنما أيضًا مع الرواية التي تريد أن تنسى أنه هُجّر.

    فالمواطن الذي غادر السودان لم يغادر بالضرورة لأنه تخلّى عن وطنه. كثيرون غادروا بعدما عجزت مؤسسات الدولة والقوى المسلحة عن توفير الحماية لهم، أو بعدما أصبح بقاؤهم محفوفًا بخطر القتل أو النهب أو القصف أو العنف. وبين التخلّي عن الوطن والفرار من الخطر فارق أخلاقي وسياسي لا يجوز محوه بخطاب العودة.

    إن عودة المواطن ينبغي أن تكون نتيجة لاستعادة الوطن، لا بديلًا عنها. أما أن يُطلب منه أن يعود قبل استعادة شروط الحياة، وأن يتحمّل كلفة إعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وأن يُلام على بقائه خارج البلاد، بينما يقيم الذين يدعونه إلى العودة خارجها، فذلك يضعه مرة أخرى في موضع من يدفع الثمن.

    لقد دُفع المواطن أولًا إلى الخروج من الوطن. والآن يُطلب منه أن يعود إليه كي يدفع ثمن ما حدث فيه.

    وهكذا يصبح المواطن ضحية الحرب مرة، وضحية الرواية التي تعقب الحرب مرة أخرى.

    wagdik@yahoo.com

    Author

    وجدي كامل

  • الأسماك ليست صامتة كما نظن بل عالم كامل من الإشارات تحت الماء

    الأسماك ليست صامتة كما نظن بل عالم كامل من الإشارات تحت الماء

    تحت سطح الماء لا يسود الصمت كما قد يبدو لنا، فالأسماك تستخدم مجموعة واسعة من الوسائل للتواصل من الأصوات والحركات إلى الإشارات البصرية والكيميائية في عالم ربما يكون أكثر ازدحاما بالرسائل مما نتخيل.

    هذا الجانب من الحياة البحرية يتصدر كتابا جديدا للكاتب لورينزو روكا مورينو قدم في المتحف الوطني للعلوم الطبيعية في مدريد، ويتناول أنظمة التواصل والخصائص اللافتة لدى أكثر من 150 نوعا من الأسماك الغضروفية والعظمية.

    وقد خضع الكتاب لمراجعة علمية من الباحث المتخصص في وراثة الأسماك المهددة بالانقراض ألفونسو لوبيز سولانو.

    ولا تعني كلمة «تواصل» هنا إصدار أصوات فقط، فبعض الأسماك تعتمد على الإشارات الجسدية والألوان أو المواد الكيميائية، بينما تستطيع أنواع أخرى إنتاج أصوات ترتبط بالتزاوج أو التحذير أو الدفاع عن مناطقها.

    وتشير المراجع العلمية إلى أن مئات الأنواع من الأسماك معروفة بإنتاج أصوات وغالبا ما تكون هذه الأصوات مرتبطة بسلوك محدد ما يسمح للباحثين أحيانا باستخدامها في التعرف إلى الأنواع ومراقبة وجودها في البيئة البحرية.

    ويريد الكتاب بحسب المتحف أن يبدد صورة الأسماك باعتبارها مجرد كائنات «صامتة»، وأن يلفت الانتباه إلى تنوعها الكبير ودورها الأساسي في النظم البيئية البحرية.

    الأنباء الكويتية

  • الأستاذ الدكتور التجاني عبد القادر حامد (1951-2026): ماذا قالوا عنه بعد رحيله؟

    الأستاذ الدكتور التجاني عبد القادر حامد (1951-2026): ماذا قالوا عنه بعد رحيله؟

    أحمد إبراهيم أبوشوك

    التيجاني الأستاذ
    أثبتت شهادة وفاة الأستاذ الدكتور التيجاني عبد القادر حامد أن روحه الطاهرة قد صعدت إلى بارئها في يوم الأربعاء الموافق 16 سبتمبر 2026 في مدينة الدوحة. وشُيّع جثمانه في موكب مهيب في مساء يوم الجمعة الموافق 18 سبتمبر 2026، شاركت فيه جموع غفيرة، إلى مثواه الأخير في مقابر مسيمير بدولة قطر؛ فالجنائز شهادات صادقة على مكانة الراحلين في قلوب الناس، وعلى ما خلّفوه من محبة وأثر طيب.
    لم يكن رحيل التيجاني فقدًا لأستاذ جامعي أو باحث مرموق فحسب، بل كان غيابًا لعقل ظل مشغولًا بأسئلة الدين والوطن والإنسان؛ ولقلب سكنته محبة الخير؛ ولسان لم يعرف في الخصومة تجريحًا، ولا في الاختلاف إساءةً أو انتقاصًا. وحين عُرضت عليه المناصب، اختار محراب الفكر. لم يكن عاجزًا عن ممارسة السياسة أو الإدارة، ولكنه أدرك أن رسالته أبقى من وظيفة، وأن العقل الذي خُلق للسؤال لا ينبغي أن يتحول إلى أداة في يد تنظيم أو سلطة. ولذلك مضى في طريقه هادئًا، متنقلًا بين السودان وماليزيا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وقطر، يحمل كتبه وأسئلته وهموم وطنه، ويترك في كل محطة تلاميذ وأصدقاء وذكرًا حسنًا.
    وقد شهد تلاميذه الذين درسوا عليه، والذين استرشدوا بكتاباته وأفكاره، ومنهم الدكتور بهاء الدين مكاوي، والأستاذ خالد عثمان الفيل، والأستاذ حسان ناصر، والأستاذ غفاري فضل السيد، والأستاذ عبد الرحمن المري، بأن التيجاني لم يكن يلقّن طلابه إجابات جاهزة، بل كان يفتح أمامهم أبواب الأسئلة المغلقة. فكانت محاضراته توسّع مساحات التفكير في عقولهم، وتُضيّق دوائر اليقين السهل. وكان يصبر على أسئلتهم، ويواصل حوارهم خارج قاعة الدرس، ويحيلهم إلى الكتب والمراجع، ويعاملهم باحترام الأب ورفق المربي. لم يكن التعليم عنده مهنة تنتهي بانتهاء المحاضرة أو مغادرة قاعة الدرس، بل كان صحبةً فكرية وإنسانية ممتدة في دروب الحياة. ويشهد على ذلك تلميذه الوفي الدكتور أبوبكر محمد أحمد، إذ يقول: “لم تكن علاقتي بأستاذنا التيجاني علاقة تلميذ بأستاذه، ولا علاقة زمالة أو صداقة؛ كانت كل ذلك وأكثر. كنت أحد أفراد أسرته، وكان أخي الأكبر وأبًا لأولادي، أفرح لفرحه وأحزن لحزنه.”
    وحين انتهت فترة تعاقد التيجاني مع جامعة قطر في خريف 2026، لم يسمح لمرارة اللحظة أن تنسيه سنوات الوفاء والتقدير. ولذلك، عندما سأله الدكتور حسام الدين طالب الله عن الأمر، جاء رده المفعم بالرضا والإنصاف: “ناس الجامعة ما قصّروا”. وبهذه العبارة الصادقة حفظ لجامعة قطر فضلها عليه، واستقبل نهاية تلك المرحلة لا بوصفها بابًا قد أُغلق، بل فرصةً جديدة للتفرغ لرسالته الفكرية.
    وحين صعدت روحه إلى بارئها، كانت إلى جواره مخطوطة تضم مقالاته عن السودان، وقد بلغت مرحلة المراجعة الأخيرة والإعداد للنشر؛ وكأنما أراد القدر أن تكون أوراق الوطن آخر ما صحبه في دنياه. هكذا كان التيجاني: يرى في المحنة معنى، وفي النهاية بداية، وفي الفراغ فسحةً لمزيد من العطاء.
    وقد أجمعت مراثي زملائه وطلابه وأصدقائه على أنه ظل وفيًّا لأفكاره وقناعاته؛ فرفض تحويل الفكرة إلى تبرير للسلطة، كما رفض أن يتحول المفكر إلى موظف في خدمتها أو سادن على أبوابها. ولذلك بقيت صورته حاضرة في ذاكرة الذين عرفوه: هادئ الطبع، عميق الفكرة، متواضعًا من غير تصنّع، زاهدًا فيما يتنافس عليه الناس، وفيًّا لمن أحسن إليه، وحافظًا للفضل حتى عند انقضاء الصلة.
    عاش بعيدًا عن الضجيج والاستعراض، ينجز عمله في صمت، ويجعل من العلم عبادة، ومن الفكر مسؤولية، ومن الكلمة أمانة لا تُقال طلبًا لمنصب أو ابتغاءً لحظوة. وهكذا رحل التيجاني عن عالم الناس، لكنه بقي في كتبه وتلاميذه ومواقفه وسيرته العطرة؛ أثرًا حيًّا لعالم اتسق فكره مع خُلقه، وصدقت كلمته مع عمله.

    التيجاني والدوحة
    أحبَّ التيجاني الدوحة، وأحبَّه أهلها؛ لأنه قد وجد في رحاب جامعة قطر، وفي مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مجالسها الأكاديمية والفكرية، فضاءً رحبًا للبحث والتأليف والحوار. ولم تكن الدوحة بالنسبة إليه مجرد محطة مهنية عابرة، بل غدت موطنًا ثانيًا احتضن فكره، وقدَّر علمه، وأتاح له أن يتفرغ لمشروعه العلمي في سكينة العالم وزهد المفكر.
    وفي الدوحة، اتسعت دائرة محبيه من السودانيين والقطريين والعرب، واجتمع حوله الزملاء والتلاميذ والباحثون؛ ينهلون من علمه، ويأنسون إلى حديثه الهادئ، ويجدون في مجالسه رحابة الفكر ودفء الأخوة ونبل المعشر. وقد أمضى فيها سنواته الأخيرة منكبًّا على كتبه وأوراقه، متنقلًا بين مكتبه ومكتبة الجامعة، يحمل في قلبه همَّ السودان الجريح، ويتابع بألم وبصيرة تحولات وطنه؛ محاولًا أن يفهم سقوط الدولة وثورتها وحربها، وأن يستجلي جذور أزمتها، ويضيء لأهلها طريقًا وسط العتمة. ظل السودان حاضرًا في وجدانه، مقيمًا في فكره، مهما باعدت بينه وبينه الجغرافيا.
    ولذلك، لم يكن الحزن على رحيله حكرًا على أسرته وأصدقائه وتلاميذه من السودانيين، بل امتد إلى كل من عرفه في قطر وخبر علمه وخلقه وتواضعه. فعندما أرسلتُ خبر وفاته إلى صديقنا المشترك الدكتور نايف بن نهار، المدير السابق لمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جاء ردُّه مثقلًا بالحزن والأسى. أخبرني بأنه في طريقه إلى موسكو للمشاركة في فعالية أكاديمية، وأنه لو بلغه الخبر قبل سفره لاعتذر عن المشاركة؛ وفاءً لصديق وزميل عزيز جمعته به سنوات من العمل والتقدير المتبادل. كانت كلماته صادقة وموجعة، تكشف عن مكانة التيجاني في نفسه، وعن أثره العميق في الذين اقتربوا منه وعرفوا معدنه الأصيل.
    وفي تلك الساعات العصيبة من فجر يوم الجمعة، وبينما كنا نحو الساعة الثانية صباحًا نتابع إجراءات استخراج شهادة الوفاة في مركز شرطة السد، بعث الدكتور أبوبكر محمد أحمد برسالة إلى الدكتور إبراهيم الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، يخبره فيها بوفاة التيجاني. وبعد كلمات العزاء، جاء الرد على الفور، مقترحًا أن يُقام مجلس العزاء في إحدى قاعات مجمع الشيخ عبد الله الأنصاري العلمي. لم تكن تلك الاستجابة العاجلة مجرد ترتيب لمكان العزاء، بل كانت موقفًا إنسانيًا نبيلاً، جسّد ما حظي به الراحل من محبة وتقدير، وما تركه من أثر كريم في نفوس أهل قطر.
    هكذا ردّت الدوحة إلى التيجاني بعض وفائه لها؛ احتضنته حيًّا عالمًا ومفكرًا، ثم أكرمته راحلًا، وشيّعته بالحب والدعاء، وفتحت أبوابها لاستقبال أهله وزملائه ومحبيه. وفي هذه المواقف النبيلة يتجلى الوفاء في أنقى صوره، حين تقترن الاستقامة بالتواضع، ويتآخى العلم مع الخلق، فيترك العالم في القلوب أثرًا لا تطويه الأيام، وسيرةً عطرةً تظل حاضرة بعد أن يغيب الجسد.
    رحم الله الأستاذ الدكتور التيجاني عبد القادر حامد؛ فقد عاش في الدوحة مكرَّمًا بين أهل العلم والفضل، ورحل عنها محمولًا على أكفّ المحبة والوفاء، وبقي ذكره في مجالسها وجامعتها ومكتبتها، وفي قلوب زملائه وتلاميذه ومحبيه، شاهدًا على أن العلماء الصادقين لا تحدّهم الأوطان، بل تصير كل أرض احتضنت علمهم وأخلاقهم وطنًا لهم.

    ahmed.abushouk@gmail.com

    Author

    أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك